عرف أفلاطون قديما الإنسان بأنه حيوان سياسي وآعتبر أن هذا التعريف يوازي تعريفا آخر هو أن الإنسان حيوان عاقل"1، إذن فالعقل والسياسة خاصيتان مجتمعتان تميزان الإنسان عن الحيوان. وفي كتابه الجمهورية نجده قد وصف المرأة بكونها كائن ضعيف جل اهتماماتها تنصب على الجسد وحاجياته. صحيح أن الإنسان يقصد به الرجل والمرأة مندمجان لكن ذلك التمييز الذي قام به جعلنا نتساءل هل يمكن أن نستنتج بذلك أن المرأة هي" حيوان غير سياسي"
وبالتالي يقتصر المجـال السيـاسي على الرجـال فقط وإن كان كذلك فهو حتما نتيجة وضع اقتصادي واجتماعي لعبا دورهما في تهميش المرأة وإبعادها عن اقتحام المجال السياسي.
ولقد حظيت موضوعات المرأة، خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين بعناية بالغة خاصة في الأوساط الثقافية والسياسية بالمغرب2، وذلك من أجل النهوض بأوضاع المرأة المغربية وحماية حقوقها ورفع الحيف الذي تعانيه بما يستجيب لمقتضيات الشريعة الإسلامية ويدعم ترسيخ قيم العدل والمساواة بين المرأة والرجل ويعزز قيم المواطنة. ونجد في الخطاب الملكي لسنة 2001 يوم 27 أبريل دعم للرؤيا الجديدة التي أصبح المغرب يتبناها في هذا الإطار والجدير بالذكر أن عدد النساء فـي تـزايد مطـرد إن في الوسط الحضري أو الوسط القروي ، ويبين الجدول أدناه عدد النساء في الوسطين معا.3
- يتبين من خلال الجدول أن نسبة عدد النساء في الوسط الحضري: هي في تزايد مستمر في حين في الوسط القروي، منذ 1999 إلى 2002 عرفت شبه استقرار في عدد النساء وفي 2003 ارتفع العدد لكن بنسبته طفيفة الأمر الذي تغير سنة 2004 حيث ارتفع فيه عدد النساء بنسبة كبيرة سرعان ما انخفض سنة 2005. ويرجع هذا الانخفاض إلى سنوات الجفاف التي دفعت بأغلبية الأسر للهجرة إلى المدينة وكذلك النساء الباحثات عن الشغل في المدينة.
لقد اكتسى هذا الموضوع حيوية أكثر واحتدم النقاش حوله خاصة بعد إصدار مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بتاريخ 19 مارس1999 ولعله بعد النقاش الحاد الذي أبان ساعتها أن موضوع المرأة ليس قضية مساواة أو إنصاف، وإنما كشف النقاب عن المكانة التي تحتلها النساء داخل المجتمع المغربي التي هي أحد بنيانه الذي بمسه ينهار المجتمع كله، فالمسيرتان اللتان نظمتا في ذلك الوقت، سواء بالدار البيضاء أو تلك المنظمة بالرباط لدليل قاطع على أن أي حديث عن المرأة ووضعيتها في المغرب هو أمر شبه محظور وأي محاولة لتغيير التقاليد أو تحيينها مع المرحلة الآنية هو محاولة لشرخ المجتمع وبالتفاتة بسيطة للوراء وفي الفترة الاستعمارية خصوصا نرى بأن القدسية والهالة اللتان وضعت فيهما المرأة أمر قديم فلقد ظل سؤال وضعية النساء غائبا ويكتسيه نوع من القدسية.
فعندما كان المغاربة يثيرون قضية وضعية النساء داخل الحقل العام كانوا يثيرونها في إطار موجة تحرير المرأة على مستوى إفريقيا الشمالية في حين أن المستعمرون لم يكونوا يهتمون لا بتحرير المرأة ولا بتحرير المواطن4، ففي ظهير1 أبريل 1935 الذي فتحت بموجبه مدارس قرآنية، نجد في فقرته الثانية، انه ينص على أن" المدارس الابتدائية الخاصة بالمسلمين هي تقتصر على الأطفال المسلمين من جنس الذكور، ولم يسمح للفتيات الولوج إليها إلا بعد الحر ب العالمية.5
إن واقع المرأة المغربية ما هو إلا حصيلة تراكمات ومورثات تركة الماضي التي تضرب بجذورها في أعماق بنية أسطورية لاهوتية دينية منذ عصور ما قبل العلم والعقل إنه واقع يزخر باللامساواة وبالدونية
. وفي المقابل نجد من يعتبر المرأة هي عماد الأسرة وكل بناء لا يستقيم عماده فهو إلى الانهيار، فعلال الفاسي في كتابه" النقد الذاتي " يقول بأن للمرأة وحدها لها القدرة على أن تحرر نفسها مما كبلتها به الأجيال وما صنعته بها التقاليد 6 بالإضافة إلى دعوته إلى المساواة بين الجنسين، حيث دعى إلى ضرورة أن تتمتع المرأة بما يتمتع به الرجل من حقوق وأن تقوم بما يقوم به الرجل من واجبات. وذلك لأن المرأة المغربية أبانت عن كفاءات ومهارات، فهي قد شاركت الرجل في الدفاع عن الوطن في أرجاء المعمور ولم تتخاذل في ذلك، ومع ذلك فإننا لا نجدها منصفة. فهي إما تعاني من ظلم المجتمع من خلال أمثاله الشعبية التي تصفها إما بالحية أو أنها ناقصة عقل ومن ظلم الرجل الذي لا ينظر إليها إلا كجسد يرغب فيه ويرى من خلاله صورة رجولته 7. وقد بدأ في الآونة الأخيرة الوعي بضرورة إنصاف المرأة وفسح المجال لها للدخول إلى مختلف المجالات ولقد كانت أولى المجالات التي حظيت بهذا الاهتمام التعليم الذي يعتبر القاطرة لأي تقدم وقد ضمن النص القانوني في هذا الحق في التعليم للجنسين معا ويبين الجدول 8 أدناه نسب الأطفال المسجلين بالتعليم الابتدائي من جنس الفتيات.
يتبين من خلال الجدول أعلاه، أن عدد الأطفال من جنس الإناث المسجلين بالتعليم الابتدائي في تطور، حيث انتقل عدد الفتيات من 194.879 سنة 1999-2000 إلى 255.627 سنة 2002-2003 ، وقد حقق هذا التزايد نسبة أكبر بالوسط القروي، وتجدر الإشارة أن نسبة تمدرس الفتيات القرويات لم تكن تبلغ 25% حتى حدود منتصف التسعينات وهي تتعدى الآن 82.2 %. ورغم التطور الذي عرفته نسبة تمدرس الفتيات، فإن هناك ميزا واضحا بين الجنسين في التمتع بالحق في التعليم، وكذلك ميزا جغرافي بين القرية والمدينة، وكذلك الميز الجنسي الذي تؤكده هذه الأرقام 9، إن أي سياسة عمومية وحتى تكون ناجحة وحتى يكون لدينا مجتمع متوازن يجب أن تكون هناك إرادة للمساواة بين الرجل والمرأة في كل الميادين.10
ولعل مجموعة من الخطب الملكية التي ألقاها جلالة الملك محمد السادس، ما هي إلا دليل على ما يشكله تعليم الفتاة التي هي امرأة المستقبـل من أهمية للمجتمـع، ففـي رسالة ملكية وجهها إلى المشاركين في الندوة الإسلامية الدولية المنعقدة بفاس حول موضوع"المرأة المسلمة والعلوم" مؤكدا جلالته أن الدين الإسلامي لا يتعارض مع تعليم الفتاة ويقول جلالته.11
" فإن مما يجدر تأكيده في هذا المقام(...) أن الإسلام -كما بين رسول الله (ص) –قد جعل "طلب العلم فريضة على كل مسلم "ذكرا كان أو أنثى، وأنه لم يقيد العلم أو يحصره في مجال دون آخر لم يحجر على المرأة في طلبه وتحصيله أو تعميقه وتكميله اعتبارا للعلاقة الوطيدة بين المعرفة والعقيدة" ويرى جلالته " أن تشرع أبواب العلم أمام المرأة، وأن توفر لها أسباب الأخذ به والإبداع فيه لاسيما في حقوله البحثة والتطبيقية، لأن العلم قوام الوجود في هذا العصر، ولأن المستقبل مرهون بامتلاك ناصيته وحسن توظيفه".12
أما بالنسبة للخطاب النسائي حول تعليم الفتاة هو خطاب نقدي، اذ أصبح الخطاب يركز على نقد مترتبات التعليم في مجالات الأسرة والشغل والأحوال الشخصية والممارسة السياسية وتؤكد فاطمة الزهراء أزرويل على أن للتعليم دور كبير وفعال في التربية على قيم المساواة بين الجنسين ، لأنه كلما استطاعت المرأة أن تحصل على تكوين عالي إلا واستطاعت أن تكسر حدود التوزيع الجنسي للمهن وبذلك سوف تحقق الاستقلال الذاتي ماديا ومعنويا.13
وبالإضافة إلى ربط جلالة الملك لتعليم الفتاة بالتنمية، فقد ربطته إحدى الباحثات بالانتقال الديمقراطي فهي تقول" إن انتقال مجتمعنا إلى أفق الديمقراطية الحقة يتطلب تحديد دفتر تحملات في مقدمة بنوده تعميم التربية وإجباريتها بحكم القانون لانتشال النساء من دوامة القهر والإقصاء، بالإضافة إلى إيجاد آليات ديمقراطية لتأهيلهن سياسيا والعمل على تفعيلها سواء من طرف الهيئات السياسية أو من طرف أجهزة الدولة، بالإضافة إلى القيام بمجهود ثقافي لمحاربة الموروث الثقافي في جوانبه الكابحة للتطور14.
ويبقى المشكل المطروح في مجال تعليم الفتاة، أنه في أغلب الأوقات يبقى تعليم الفتاة محصورا في الابتدائي والإعدادي، فالأسرة وحتى الفتيات ليست لديهن القابلية لمتابعة الدراسة إما بالثانوي أو الجامعة وخاصة عند الأسر التي ترى أن الفتاة مصيرها البيت والزواج وذلك ما تحكمه التقاليد، لكن هذا ما بدأ يتغير وخاصة في المدن 15 وخاصة عندما تلاحظ أن نسبة الفتيات المحصلات على الإجازة في تزايد مستمر وهذا ما يدل على أن التفكير التقليدي لدى الأسر قد تبدل بحيث بد أو يسمحون لبناتهم بالدراسة بالجامعة، وهذا ما سوف يبدوا جليا من خلال الأرقام المبينة في الجدول أدناه.
نلاحظ من خلال الجدول أعلاه أنه في ظل4 سنوات ارتفعت نسبة الفتيات المسجلات بالجامعة من 73089 إلى 942952 وهو ما يدل على أن نسبة تصاعد أعداد المسجلات في الجامعة ترتفع بشكل سريع وهذا ما يدل على انفتاح الوعي عند الأسر وكذلك عند الفتيات أنفسهن، وأيضا سيؤدي هذا إلى تزايد أعداد النساء في الوظائف العليا التي تطلب شواهد عليا.
وبذلك تساوت المرأة مع الرجل في الواجبات، وأصبحت المرأة باستطاعتها تكسير حدود التوزيع الجنسي للمهن، وانخفضت نسبة البطالة وإن بشكل بطيء في صفوف النساء من 15 سنة وما فوق.16
بالإضافة إلى ذلك فعدد السكان النشيطين من جنس الإناث لا يعرف استقرار إن في الوسط الحضري أو القروي، وبين الجدول أدناه ذلك.
وبالرغم من كل ما حققته المرأة في ميدان العمل وإثباتها لكفاءاتها المهنية وصدور العديد من القوانين الرامية إلى حماية المرأة العاملة، فقد سجل التقرير السنوي لوضعية حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2005 أنه على "مستوى العمل لا زالت المرأة تعاني من الاستغلال المتجلي في تدني الأجور سواء في القطاع الصناعي أو الفلاحي، والعمل أكثر من الساعات الإضافية الغير المؤدى عنها، وغياب الضمان الاجتماعي وبطاقة الشغل، إضافة إلى عرقلة وصول المرأة إلى مراكز القرار وعدم ولوجها إلى قطاعات خاصة بالرجال".17
ويبقى خروج المرأة إلى العمل من الخصائص الرئيسية للعصر الحديث هذا العصر الذي أخذت فيه التقاليد والعادات تزول بسبب تحسن مركز المرأة والتوسع في تعليمها ورغبتها في التموقع داخل المجتمع كعاملة أو مفكرة أو سياسية، وذلك لأن أي تفعيل لقيم الحداثة والديمقراطية الحقة لا يمكن أن يكون بدون إدماج حقيقي للمرأة في كافة القطاعات وعدم قهرها والخروج من القول على الفعل الحقيقي فالأوضاع اللاديمقراطية التي تعيشها النساء تجعل المسألة النسائية واجهة أساسية من واجهات النضال الديمقراطي الحداثي وهذا ما تؤكده احد الباحثات 18، كما تدعوا إلى ضرورة مشاركة الرجال في هذا النضال لأن النهوض بالمرأة وأوضاعها لا يقتصر عليهن وحدهن بل يهم الرجال أيضا من أجل ذلك وجب أن يتعاون الرجال والنساء من أجل تغيير النسق الثقافي الذي ما هو كما تقول اليملاحي إلا عنصر من عناصر التقدم والحداثة.19
الهوامش
[1]
- بنعدادة أسماء ، مجلة وجهة نظر ، العدد 10-2001، ص 58.
2
- بلاجي عبد السلام، المرأة المغربية مقاربات في الإصلاح المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد مزدوج 38-39 ماي ، غشت 2001، ص 31.
3
- جدول رقم 1 تطور عدد النساء في الوسطين الحضري والقروي ، مديرية الإحصاء من 1999 إلى 2005. إحصاء 2004
4
-Alami Mchichi houria , genre et politique au Maroc : les en jeux de l’égalité hommes –femmes entre islamisme et modernisme l’ hrmatton 2002.p39
5
- Ibide p 39.
6
- أزوريل فاطمة الزهراء ، المسألة النسائية في الخطاب العربي الحديث من التحرير إلى التحرر المجلس الأعلى للثقافة 2003 ، ص 166.
7
- إبراهيم محمود ، تصميت المرأة في المجتمع العربي ، دراسات عربية ، مجلة فكرية اقتصادية اجتماعية ، العدد ¾ يناير فبراير 1993 ص 36.
8
- جدول رقم 2- تطور تسجيل التقنيات بالتعليم الابتدائي ( 1999 –2004) مديرية الإحصاء
9
- مرزاق صفية إشكالية تعليم الفتاة المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، 2005-2006 ، ص 97.
10
-Chaker AZiz ,genre et éducation .Féminine masculin .la marche vers l’ égalité au Maroc.19993-2003 p 197.
-11
- مطبوعات القصر الملكي محمد السادس ملك المغرب ، انبعاث أمة ، الجزء الخامس والأربعون ، القسم الأول، المطبعة الملكية ، الرباط 2000ص 131.
12
- مرجع سابق 226.
13
- أزرويل فاطمة الزهراء، المرأة بين التعليم والشغل ، دار وليلي للطباعة النشر ، مراكش الطبعة الأولى 1996 ، ص 64.
14
- اليملاحي خديجة المسألة النسائية. رهان الحداثة والديمقراطية، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7909. 14 أبريل 2005، ص10.
15
- IMANSSAR FOUZIA, Mémoire de fin d’études 1977, 1987, p 56
16
- جدول رقم 5، عدد ونسب السكان النشيطين من جنس الإناث، مديرية الإحصاء.
17
- التقرير السنوي لوضعية حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2005 ، مركز حقوق الناس مركز الكرامة للنساء العاملات ، منشورات جريدة حقوق الناس ، العدد 8 يدعم من منطقة أنترمون أو كسفام ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر الرباط 2006. ص 36.
18
- الركاني خديجة، الحركة النسائية والتساؤلات الكبرى ، الأحداث المغربية العدد 1618 بتاريخ 28 يونيو 2003 ، ص 42.
19
-اليملاحي خديجة ، المسألة النسائية ، رهان الحداثة والديمقراطية ، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7909 –14 أبريل 2005 ص 10.
تاريخ التوصل: 3 يوليوز 2012
تاريخ النشر: 6 يوليوز 2012
وبالتالي يقتصر المجـال السيـاسي على الرجـال فقط وإن كان كذلك فهو حتما نتيجة وضع اقتصادي واجتماعي لعبا دورهما في تهميش المرأة وإبعادها عن اقتحام المجال السياسي.
ولقد حظيت موضوعات المرأة، خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين بعناية بالغة خاصة في الأوساط الثقافية والسياسية بالمغرب2، وذلك من أجل النهوض بأوضاع المرأة المغربية وحماية حقوقها ورفع الحيف الذي تعانيه بما يستجيب لمقتضيات الشريعة الإسلامية ويدعم ترسيخ قيم العدل والمساواة بين المرأة والرجل ويعزز قيم المواطنة. ونجد في الخطاب الملكي لسنة 2001 يوم 27 أبريل دعم للرؤيا الجديدة التي أصبح المغرب يتبناها في هذا الإطار والجدير بالذكر أن عدد النساء فـي تـزايد مطـرد إن في الوسط الحضري أو الوسط القروي ، ويبين الجدول أدناه عدد النساء في الوسطين معا.3
- جدول يبين تطور عدد النساء في الوسطين الحضري والقروي لسنة 1999و2004
السنوات | 1999 | 2000 | 2001 | 2002 | 2003 | 2004 | 2005 |
عدد النساء في الوسط الحضري | 7821076 | 8062091 | 8307785 | 8555230 | 8152187 | 8390378 | 8556888 |
عدد النساء في الوسط القروي | 6367754 | 6362305 | 6351268 | 6333878 | 6604616 | 8390378 | 6580054 |
لقد اكتسى هذا الموضوع حيوية أكثر واحتدم النقاش حوله خاصة بعد إصدار مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بتاريخ 19 مارس1999 ولعله بعد النقاش الحاد الذي أبان ساعتها أن موضوع المرأة ليس قضية مساواة أو إنصاف، وإنما كشف النقاب عن المكانة التي تحتلها النساء داخل المجتمع المغربي التي هي أحد بنيانه الذي بمسه ينهار المجتمع كله، فالمسيرتان اللتان نظمتا في ذلك الوقت، سواء بالدار البيضاء أو تلك المنظمة بالرباط لدليل قاطع على أن أي حديث عن المرأة ووضعيتها في المغرب هو أمر شبه محظور وأي محاولة لتغيير التقاليد أو تحيينها مع المرحلة الآنية هو محاولة لشرخ المجتمع وبالتفاتة بسيطة للوراء وفي الفترة الاستعمارية خصوصا نرى بأن القدسية والهالة اللتان وضعت فيهما المرأة أمر قديم فلقد ظل سؤال وضعية النساء غائبا ويكتسيه نوع من القدسية.
فعندما كان المغاربة يثيرون قضية وضعية النساء داخل الحقل العام كانوا يثيرونها في إطار موجة تحرير المرأة على مستوى إفريقيا الشمالية في حين أن المستعمرون لم يكونوا يهتمون لا بتحرير المرأة ولا بتحرير المواطن4، ففي ظهير1 أبريل 1935 الذي فتحت بموجبه مدارس قرآنية، نجد في فقرته الثانية، انه ينص على أن" المدارس الابتدائية الخاصة بالمسلمين هي تقتصر على الأطفال المسلمين من جنس الذكور، ولم يسمح للفتيات الولوج إليها إلا بعد الحر ب العالمية.5
إن واقع المرأة المغربية ما هو إلا حصيلة تراكمات ومورثات تركة الماضي التي تضرب بجذورها في أعماق بنية أسطورية لاهوتية دينية منذ عصور ما قبل العلم والعقل إنه واقع يزخر باللامساواة وبالدونية
. وفي المقابل نجد من يعتبر المرأة هي عماد الأسرة وكل بناء لا يستقيم عماده فهو إلى الانهيار، فعلال الفاسي في كتابه" النقد الذاتي " يقول بأن للمرأة وحدها لها القدرة على أن تحرر نفسها مما كبلتها به الأجيال وما صنعته بها التقاليد 6 بالإضافة إلى دعوته إلى المساواة بين الجنسين، حيث دعى إلى ضرورة أن تتمتع المرأة بما يتمتع به الرجل من حقوق وأن تقوم بما يقوم به الرجل من واجبات. وذلك لأن المرأة المغربية أبانت عن كفاءات ومهارات، فهي قد شاركت الرجل في الدفاع عن الوطن في أرجاء المعمور ولم تتخاذل في ذلك، ومع ذلك فإننا لا نجدها منصفة. فهي إما تعاني من ظلم المجتمع من خلال أمثاله الشعبية التي تصفها إما بالحية أو أنها ناقصة عقل ومن ظلم الرجل الذي لا ينظر إليها إلا كجسد يرغب فيه ويرى من خلاله صورة رجولته 7. وقد بدأ في الآونة الأخيرة الوعي بضرورة إنصاف المرأة وفسح المجال لها للدخول إلى مختلف المجالات ولقد كانت أولى المجالات التي حظيت بهذا الاهتمام التعليم الذي يعتبر القاطرة لأي تقدم وقد ضمن النص القانوني في هذا الحق في التعليم للجنسين معا ويبين الجدول 8 أدناه نسب الأطفال المسجلين بالتعليم الابتدائي من جنس الفتيات.
- جدول رقم 1-تطور تسجيل الفتيات بالتعليم الابتدائي(1999-2004)
السنوات | 1999-2000 | 2000-2001 | 2001-2002 | 2002-2003 | 2003-2004 | ||||||
الأعداد | النسبة | الأعداد | النسبة | الأعداد | النسبة | الأعداد | النسبة | الأعداد | النسبة | ||
الوسط الحضري | المجموع | 221.020 | 76.0 | 255.685 | 89.7 | 278.581 | 100.0 | 272.6.6 | 96.7 | 272.038 | 94.1 |
الفتيات | 108.043 | 75.0 | 125.097 | 88.7 | 135.012 | 100.0 | 133.273 | 95.9 | 133.708 | 94.2 | |
الوسط القروي | المجموع | 188.847 | 57.9 | 218.278 | 71.8 | 253.377 | 82.0 | 260.630 | 85.2 | 257.287 | 85.2 |
الفتيات | 86.836 | 54.3 | 102.021 | 68.0 | 118.838 | 79.2 | 122.354 | 82.1 | 120.907 | 82.2 | |
المجموع الوطني | المجموع | 409.867 | 66.4 | 473.963 | 80.5 | 528.958 | 90.7 | 533.256 | 90.7 | 529.325 | 89.6 |
الفتيات | 194.879 | 64.1 | 277.118 | 78.0 | 253.850 | 89.1 | 255.627 | 88.8 | 254.615 | 88.1 |
ولعل مجموعة من الخطب الملكية التي ألقاها جلالة الملك محمد السادس، ما هي إلا دليل على ما يشكله تعليم الفتاة التي هي امرأة المستقبـل من أهمية للمجتمـع، ففـي رسالة ملكية وجهها إلى المشاركين في الندوة الإسلامية الدولية المنعقدة بفاس حول موضوع"المرأة المسلمة والعلوم" مؤكدا جلالته أن الدين الإسلامي لا يتعارض مع تعليم الفتاة ويقول جلالته.11
" فإن مما يجدر تأكيده في هذا المقام(...) أن الإسلام -كما بين رسول الله (ص) –قد جعل "طلب العلم فريضة على كل مسلم "ذكرا كان أو أنثى، وأنه لم يقيد العلم أو يحصره في مجال دون آخر لم يحجر على المرأة في طلبه وتحصيله أو تعميقه وتكميله اعتبارا للعلاقة الوطيدة بين المعرفة والعقيدة" ويرى جلالته " أن تشرع أبواب العلم أمام المرأة، وأن توفر لها أسباب الأخذ به والإبداع فيه لاسيما في حقوله البحثة والتطبيقية، لأن العلم قوام الوجود في هذا العصر، ولأن المستقبل مرهون بامتلاك ناصيته وحسن توظيفه".12
أما بالنسبة للخطاب النسائي حول تعليم الفتاة هو خطاب نقدي، اذ أصبح الخطاب يركز على نقد مترتبات التعليم في مجالات الأسرة والشغل والأحوال الشخصية والممارسة السياسية وتؤكد فاطمة الزهراء أزرويل على أن للتعليم دور كبير وفعال في التربية على قيم المساواة بين الجنسين ، لأنه كلما استطاعت المرأة أن تحصل على تكوين عالي إلا واستطاعت أن تكسر حدود التوزيع الجنسي للمهن وبذلك سوف تحقق الاستقلال الذاتي ماديا ومعنويا.13
وبالإضافة إلى ربط جلالة الملك لتعليم الفتاة بالتنمية، فقد ربطته إحدى الباحثات بالانتقال الديمقراطي فهي تقول" إن انتقال مجتمعنا إلى أفق الديمقراطية الحقة يتطلب تحديد دفتر تحملات في مقدمة بنوده تعميم التربية وإجباريتها بحكم القانون لانتشال النساء من دوامة القهر والإقصاء، بالإضافة إلى إيجاد آليات ديمقراطية لتأهيلهن سياسيا والعمل على تفعيلها سواء من طرف الهيئات السياسية أو من طرف أجهزة الدولة، بالإضافة إلى القيام بمجهود ثقافي لمحاربة الموروث الثقافي في جوانبه الكابحة للتطور14.
ويبقى المشكل المطروح في مجال تعليم الفتاة، أنه في أغلب الأوقات يبقى تعليم الفتاة محصورا في الابتدائي والإعدادي، فالأسرة وحتى الفتيات ليست لديهن القابلية لمتابعة الدراسة إما بالثانوي أو الجامعة وخاصة عند الأسر التي ترى أن الفتاة مصيرها البيت والزواج وذلك ما تحكمه التقاليد، لكن هذا ما بدأ يتغير وخاصة في المدن 15 وخاصة عندما تلاحظ أن نسبة الفتيات المحصلات على الإجازة في تزايد مستمر وهذا ما يدل على أن التفكير التقليدي لدى الأسر قد تبدل بحيث بد أو يسمحون لبناتهم بالدراسة بالجامعة، وهذا ما سوف يبدوا جليا من خلال الأرقام المبينة في الجدول أدناه.
- جدول رقم 2: تطور أعداد الفتيات المسجلات بالجامعة من سنة 1990الى 1998
السنوات | 1990 | 1991 | 1992 | 1993 | 1994 | 1995 | 1996 | 1997 | 1998 |
الأرقام | 73089 | 76763 | 82066 | 89593 | 94256 | 99632 | 103160 | 103940 | 102817 |
وبذلك تساوت المرأة مع الرجل في الواجبات، وأصبحت المرأة باستطاعتها تكسير حدود التوزيع الجنسي للمهن، وانخفضت نسبة البطالة وإن بشكل بطيء في صفوف النساء من 15 سنة وما فوق.16
- جدول رقم 3: انخفاض نسبة البطالة بين صفوف النساء في المغرب(1999-2004)
السنوات | 1999 | 2000 | 2001 | 2002 | 2003 | 2004 | 2005 |
النسبة | 13،3 | 13،0 | 12،5 | 12،5 | 12،2 | 11،4 | 11،5 |
بالإضافة إلى ذلك فعدد السكان النشيطين من جنس الإناث لا يعرف استقرار إن في الوسط الحضري أو القروي، وبين الجدول أدناه ذلك.
- جدول رقم 4: عدد السكان النشيطين من جنس الإناث في الوسطين الحضري والقروي(1999-2005)
الســـــــنوات | 1999 | 2000 | 2001 | 2002 | 2003 | 2004 | 2005 |
عدد السـكان النشيطين من جنس الإناث | 13،3 | 13،0 | 12،5 | 12،5 | 12،2 | 11،4 | 11،5 |
22.2 | 200.6 | 18.7 | 18.2 | 20.5 | 21.1 | 20.9 | |
في الوسط الحضري | 1301766 | 1263126 | 1235322 | 1259347 | 1276504 | 1314360 | 1319754 |
16.6 | 15.7 | 14.9 | 14.7 | 15.7 | 15.7 | 15.4 | |
فـي الوسـط القـروي | 1851649 | 1706923 | 1503369 | 1451936 | 1751033 | 1314360 | 1836829 |
ويبقى خروج المرأة إلى العمل من الخصائص الرئيسية للعصر الحديث هذا العصر الذي أخذت فيه التقاليد والعادات تزول بسبب تحسن مركز المرأة والتوسع في تعليمها ورغبتها في التموقع داخل المجتمع كعاملة أو مفكرة أو سياسية، وذلك لأن أي تفعيل لقيم الحداثة والديمقراطية الحقة لا يمكن أن يكون بدون إدماج حقيقي للمرأة في كافة القطاعات وعدم قهرها والخروج من القول على الفعل الحقيقي فالأوضاع اللاديمقراطية التي تعيشها النساء تجعل المسألة النسائية واجهة أساسية من واجهات النضال الديمقراطي الحداثي وهذا ما تؤكده احد الباحثات 18، كما تدعوا إلى ضرورة مشاركة الرجال في هذا النضال لأن النهوض بالمرأة وأوضاعها لا يقتصر عليهن وحدهن بل يهم الرجال أيضا من أجل ذلك وجب أن يتعاون الرجال والنساء من أجل تغيير النسق الثقافي الذي ما هو كما تقول اليملاحي إلا عنصر من عناصر التقدم والحداثة.19
الهوامش
[1]
- بنعدادة أسماء ، مجلة وجهة نظر ، العدد 10-2001، ص 58.
2
- بلاجي عبد السلام، المرأة المغربية مقاربات في الإصلاح المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد مزدوج 38-39 ماي ، غشت 2001، ص 31.
3
- جدول رقم 1 تطور عدد النساء في الوسطين الحضري والقروي ، مديرية الإحصاء من 1999 إلى 2005. إحصاء 2004
4
-Alami Mchichi houria , genre et politique au Maroc : les en jeux de l’égalité hommes –femmes entre islamisme et modernisme l’ hrmatton 2002.p39
5
- Ibide p 39.
6
- أزوريل فاطمة الزهراء ، المسألة النسائية في الخطاب العربي الحديث من التحرير إلى التحرر المجلس الأعلى للثقافة 2003 ، ص 166.
7
- إبراهيم محمود ، تصميت المرأة في المجتمع العربي ، دراسات عربية ، مجلة فكرية اقتصادية اجتماعية ، العدد ¾ يناير فبراير 1993 ص 36.
8
- جدول رقم 2- تطور تسجيل التقنيات بالتعليم الابتدائي ( 1999 –2004) مديرية الإحصاء
9
- مرزاق صفية إشكالية تعليم الفتاة المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، 2005-2006 ، ص 97.
10
-Chaker AZiz ,genre et éducation .Féminine masculin .la marche vers l’ égalité au Maroc.19993-2003 p 197.
-11
- مطبوعات القصر الملكي محمد السادس ملك المغرب ، انبعاث أمة ، الجزء الخامس والأربعون ، القسم الأول، المطبعة الملكية ، الرباط 2000ص 131.
12
- مرجع سابق 226.
13
- أزرويل فاطمة الزهراء، المرأة بين التعليم والشغل ، دار وليلي للطباعة النشر ، مراكش الطبعة الأولى 1996 ، ص 64.
14
- اليملاحي خديجة المسألة النسائية. رهان الحداثة والديمقراطية، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7909. 14 أبريل 2005، ص10.
15
- IMANSSAR FOUZIA, Mémoire de fin d’études 1977, 1987, p 56
16
- جدول رقم 5، عدد ونسب السكان النشيطين من جنس الإناث، مديرية الإحصاء.
17
- التقرير السنوي لوضعية حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2005 ، مركز حقوق الناس مركز الكرامة للنساء العاملات ، منشورات جريدة حقوق الناس ، العدد 8 يدعم من منطقة أنترمون أو كسفام ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر الرباط 2006. ص 36.
18
- الركاني خديجة، الحركة النسائية والتساؤلات الكبرى ، الأحداث المغربية العدد 1618 بتاريخ 28 يونيو 2003 ، ص 42.
19
-اليملاحي خديجة ، المسألة النسائية ، رهان الحداثة والديمقراطية ، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7909 –14 أبريل 2005 ص 10.
تاريخ التوصل: 3 يوليوز 2012
تاريخ النشر: 6 يوليوز 2012