
مع تزايد التحولات الرقمية، أصبح الذكاء الاصطناعي يلعب دورا جوهريا في مختلف القطاعات، بما في ذلك المجال المالي والضريبي. فبفضل قدراته التحليلية المتقدمة، بات بإمكانه كشف الأنماط غير الطبيعية في العمليات المالية، مما يساعد الحكومات على تتبع التهرب الضريبي بكفاءة غير مسبوقة.
ويمثل توظيف الذكاء الاصطناعي (IA) في المجال الضريبي أحد الاستخدامات المتعددة لهذه التقنية الحديثة، التي تفتح آفاقًا جديدة لكنها تثير أيضًا تحديات ومخاطر وفرصًا لكل من دافعي الضرائب والإدارة الضريبية. كما أنه يطرح تساؤلات تقنية معقدة، سواء كانت مستحدثة أو قديمة أعيد طرحها في سياق التطورات الحالية.
كما تشير التقارير إلى أن التهرب الضريبي يتسبب في خسائر ضخمة للاقتصادات العالمية، حيث تصل التقديرات إلى مئات المليارات من الدولارات سنويا. ومع ذلك، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي في العمليات الضريبية يمكن أن يحدث ثورة في مجال الامتثال الضريبي، مما يتيح فرصا جديدة لتحسين الإيرادات وتعزيز الشفافية المالية.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون الحل النهائي للقضاء على الثغرات الضريبية، أم أنه مجرد أداة مساعدة تحتاج إلى تدابير أخرى لضمان فعاليتها؟
أولا: الذكاء الاصطناعي وكشف التهرب الضريبي
وفقا لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يقدر أن التهرب الضريبي العالمي يتسبب في خسائر تتراوح بين 240 إلى 600 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعادل حوالي 3% إلى 10% من الإيرادات الضريبية العالمية. في المقابل، تبين أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة يمكن أن يقلل من التهرب الضريبي بنسبة 30% إلى 50% في بعض الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.
على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، تم تطبيق تقنية الذكاء الاصطناعي عبر مصلحة الضرائب (IRS) لتحليل بيانات دافعي الضرائب وتحديد الأنماط غير العادية. ونتيجة لذلك، زادت كفاءة عمليات التدقيق بنسبة 40%، كما تم استرداد ما يزيد عن 10 مليارات دولار من العوائد غير المسددة.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على عدة تقنيات متقدمة لرصد التهرب الضريبي، من بينها:
- تحليل البيانات الضخمة: حيث يتم جمع بيانات ضخمة من مصادر متعددة (حسابات مصرفية، معاملات تجارية، تقارير مالية) وتحليلها لاكتشاف الأنماط غير الطبيعية.
- التعلم الآلي (Machine Learning): حيث يتم تدريب الخوارزميات على تحديد السلوكيات المرتبطة بالتهرب الضريبي، مثل التحويلات المالية غير المبررة.
- معالجة اللغة الطبيعية (NLP): تستخدم هذه التقنية لتحليل المستندات الضريبية والعقود لاكتشاف الثغرات المحتملة في القوانين.
- التنبؤ بالاحتيال: يساعد الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالممارسات غير القانونية قبل حدوثها، مما يسمح للسلطات الضريبية بالتدخل المبكر.
في فرنسا، يُكبد التهرب الضريبي الدولة خسائر تتراوح بين 80 و120 مليار يورو سنويا. ومنذ عام 2013، تعتمد المديرية العامة للمالية العمومية(DGFiP) على الذكاء الاصطناعي
(IA) لتحديث أساليب كشف الاحتيال الضريبي واستهدافه بشكل أكثر دقة. ويستعرض تقرير برلماني مستجدات استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. نشرت الجمعية الوطنية الفرنسية في يوليو 2024 تقريرا إعلاميا حول استخدام التقنيات الحديثة في الرقابة الضريبية.
فقد تم تنفيذ العديد من المبادرات بالفعل في الدول الأوروبية: مكافحة الاحتيال في ضريبة القيمة المضافة في بلجيكا من خلال النمذجة التلقائية للشبكات، نظام Connect في إنجلترا للكشف عن التناقضات في التصريحات الضريبية، ونظام Redditometro في إيطاليا لمقارنة مبالغ الضرائب مع أنماط الحياة الملاحظة.
تتبع فرنسا هذا الاتجاه، حيث بدأت أولى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة مكافحة التهرب الضريبي تظهر بشكل متقطع. إحدى الصعوبات في نشر الذكاء الاصطناعي تتعلق بتعقيد مهام هذه الإدارات، مع العلم أن الإدارة الضريبية، التي هي بالفعل "رقمية" إلى حد كبير، تستخدم منذ فترة طويلة تطبيقات توفر إمكانيات استعلام تُستخدم بشكل واسع من قبل الموظفين في إطار مهامهم.
منذ عام 2014، تمتلك وزارة المالية الفرنسية (Bercy) وحدة متخصصة في التنقيب في البيانات، تستخدم أداة مخصصة لاستهداف الاحتيال وتقييم الاستعلامات (CFVR). من خلال تحليل السلوكيات الاحتيالية المكتشفة ونمذجتها، يهدف النظام إلى تحديد المعايير التي تميز الأشخاص ذوي السلوكيات المعرضة لمخاطر الاحتيال. يستفيد CFVR من المعلومات الموجودة في 11 قاعدة بيانات. تجدر الإشارة إلى أنه في البداية، كانت هذه المعالجة الآلية للبيانات موجهة لاكتشاف الاحتيال في مجال ضريبة القيمة المضاف (TVA).
ثانيا: الذكاء الاصطناعي: مفتاح تحسين النظام الضريبي في المغرب
منذ سنة 2019، بدأ المغرب في تنفيذ إصلاحات كبيرة في نظامه الضريبي، مما يعكس التزاما وطنيا بالتطوير والتأقلم مع المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية الحالية. هذا الإصلاح، الذي جاء بتوجيه ملكي، أسفر عن إصدار قانون إطار يحدد استراتيجية الدولة لتحديث وتطوير النظام الضريبي. ويعد هذا المشروع ثمرة لمشاورات واسعة شملت مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
لكن رغم ذلك، فالمغرب يعد من الدول التي تعاني من التهرب الضريبي، حيث تقدر خسائر الدولة السنوية بسبب هذا التهرب بحوالي 42 مليار درهم مغربي )حوالي 4 مليارات دولار). وفقا لتقرير البنك الدولي، فإن 40% من الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تُصرح بكامل أرباحها، كما أن الاقتصاد غير المهيكل يمثل حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي.
في السنوات الأخيرة، بدأت السلطات المغربية في إدخال الرقمنة على النظام الضريبي، حيث تم اعتماد التصريح الإلكتروني للضرائب وتطبيق الفوترة الإلكترونية، مما ساهم في تقليص عمليات التهرب الضريبي بنسبة 15% بين عامي 2019 و2023.
ولتحقيق كفاءة أكبر، يمكن للمغرب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر:
- تعزيز الرقابة الضريبية الرقمية: عبر تطوير منصات تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد التهرب الضريبي في الشركات الكبرى.
- تحليل الفواتير الإلكترونية: حيث يمكن استخدام الخوارزميات للكشف عن الأنماط غير الطبيعية في التصريحات الضريبية.
- الربط بين الإدارات الحكومية: عبر تكامل البيانات بين الإدارات الضريبية والبنوك ووزارة المالية لاكتشاف الأنشطة المشبوهة.
- التعاون مع الشركات الناشئة: من خلال تشجيع الابتكار في الحلول الضريبية الرقمية عبر الذكاء الاصطناعي.
إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الكشف عن التهرب الضريبي أظهر نتائج إيجابية في الدول التي اعتمدته. فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف 80% من حالات التهرب الضريبي بشكل أسرع مقارنة بالطرق التقليدية. إذا تم تطبيق هذه التقنيات في المغرب، فإنها يمكن أن تساهم في زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة تصل إلى 20% سنويا، مما يعني أن الحكومة قد تستفيد من حوالي 3 مليارات درهم إضافية سنويًا.
ففي العديد من البلدان التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي في نظمها الضريبية، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، شهدت زيادة ملحوظة في معدل الامتثال الضريبي. على سبيل المثال، بعد تطبيق الذكاء الاصطناعي، ارتفع معدل الامتثال الضريبي في بعض الدول بنسبة 10%.
ومن المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي في المغرب في زيادة الامتثال الضريبي بنسبة 5-8% خلال السنوات الثلاث الأولى من تطبيقه. هذه الزيادة ستؤدي إلى تحسن في إيرادات الدولة وتقوية الثقة بين المواطنين والإدارة الضريبية، حيث سيشعر المواطنون أن النظام أكثر عدالة وشفافية.
بالرغم من الفوائد الكبيرة التي يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي، فإن تطبيقه في النظام الضريبي المغربي يتطلب استثمارات كبيرة. يُقدر أن تكلفة تطبيق النظام قد تتراوح بين 100 مليون درهم و200 مليون درهم على مدى 5 سنوات. تشمل هذه التكلفة تحديث البنية التحتية الرقمية، تدريب الموظفين، وتطوير الأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن العوائد المحتملة من تطبيق الذكاء الاصطناعي قد تتراوح بين 10-15% زيادة في الإيرادات الضريبية السنوية، مما يبرر الاستثمار في هذه التقنيات.
باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن للمغرب تحسين فعالية نظامه الضريبي بشكل ملحوظ. على الرغم من التحديات المتعلقة بالتكلفة الأولية، فإن الفوائد طويلة الأجل تتجاوز هذه التكاليف، سواء من حيث زيادة الإيرادات أو تحسين كفاءة العمليات وتعزيز الثقة بين المواطنين والإدارة الضريبية.